الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

251

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله فَآخَرانِ أي رجلان آخران ، لأنّ وصف آخر يطلق على المغاير بالذات أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدّث عنه ، والمتحدث عنه هنا اثْنانِ . فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية . ومعنى يقومان مقامهما ، أي يعوّضان تلك الشهادة . فإنّ المقام هو محلّ القيام ، ثم يراد به محلّ عمل ما ، ولو لم يكن فيه قيام ، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع في محلّ يقوم فيه العامل ، وذلك في العمل المهمّ . قال تعالى : إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي [ يونس : 71 ] . فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية . و مِنَ في قوله : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ تبعيضية ، أي شخصان آخران يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم . والاستحقاق كون الشيء حقيقا بشيء آخر ، فيتعدّى إلى المفعول بنفسه ، كقوله : اسْتَحَقَّا إِثْماً ، وهو الشيء المستحق . وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدّى الفعل إلى المحقوق بعلى الدالّة على الاستعلاء بمعنى اللزوم له وإن كره ، كأنّهم ضمّنوه معنى وجب كقوله تعالى : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [ الأعراف : 105 ] . ويقال : استحقّ زيد على عمرو كذا ، أي وجب لزيد حقّ على عمرو ، فأخذه منه . وقرأ الجمهور اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ هو مستحقّ ما ، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة ، فنال من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغلب وارث الموصي بذلك . فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم ماله بوجه من وجوه الإرث فحرموا بعضه . وقوله عَلَيْهِمُ قائم مقام نائب فاعل اسْتَحَقَّ . وقوله : الْأَوْلَيانِ تثنية أولى ، وهو الأجدر والأحقّ ، أي الأجدران بقبول قولهما . فما صدقه هو ما صدق الآخران ومرجعه إليه فيجوز ، أن يجعل خبرا عن فَآخَرانِ ، فإنّ فَآخَرانِ لمّا وصف بجملة يَقُومانِ مَقامَهُما صحّ الابتداء به ، أي فشخصان آخران هما الأوليان بقبول قولهما دون الشاهدين المتّهمين . وإنّما عرّف باللّام لأنّه معهود للمخاطب ذهنا لأنّ السامع إذا سمع قوله : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ترقّب أن يعرف من هو الأولى بقبول قوله في هذا الشأن ، فقيل له : آخران هما الأوليان بها . ويجوز أن يكون الْأَوْلَيانِ مبتدأ و فَآخَرانِ يَقُومانِ خبره . وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة ، لأنّ السامع يترقّب الحكم بعد قوله : فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فإنّ ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما ، فكيف يكون القضاء في ذلك ، فعجّل الجواب .